تقرير شبكة اعلاميات
إهداء
تهدي شبكة إعلاميات هذا التقرير إلى الصحفيات داخل السودان وخارجه، ممن فُرض عليهن النزوح واللجوء والتشريد، إلى اللواتي واجهن أهوال الحرب، ودفعن أثمانًا باهظة في سبيل مهنتهن، إلى من عملن بجد وتفانٍ من أجل عكس الحقائق وتوثيق الانتهاكات، إلى من حملن أقلامهن وكاميراتهن في وجه الخوف والعنف والصمت، من أجل أن تصل أصوات الضحايا إلى العالم، وألا تُطمس الحقيقة، أو تُنسى المعاناة، أو يصبح الضحايا أرقامًا في سجلات التقارير الحقوقية والإعلامية.
نهديه إلى أرواح من تعرّضن للقتل أو الاعتقال أو التهديد أو العنف القائم على النوع الاجتماعي، سواء كان جسديًا أو رقميًا، وإلى من حُرمن من ممارسة عملهن الصحفي بأمان وكرامة.
إلى كل صحفية انتهكت الحرب حقها في الحياة والأمان والحرية، تهدي شبكة إعلاميات هذا التقرير وفاءً لشجاعتهن، واعترافًا بما تعرّضن له من انتهاكات، وتأكيدًا على أن العدالة حق لا يسقط بالتقادم، وأن حماية الصحفيات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات حق ومسؤولية لن يغفرها التاريخ.
تثمّن شبكة إعلاميات تضحيات الصحفيات ومعاناتهن، ونقول لهن
الحقيقة لا ينبغي أن يكون ثمنها الحياة… أصواتكن واقلامكن تستحق الحماية والإنصاف والعدالة
مناهضة الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين
تصدر شبكة إعلاميات هذا التقرير بمناسبة اليوم الدولي لمناهضة الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، الذي يصادف الثاني من نوفمبر من كل عام، ويأتي احتفال هذا العام تحت شعار: «التهديدات تتطور، والإفلات من العقاب مستمر».
ويعكس هذا الشعار واقع تطور التهديدات التي تتعرض لها الصحفيات في السودان، في ظل حرب قاسية شارفت على إكمال عامها الرابع، وفي ظل اتساع دائرة العنف وتنوعها وتطورها. وفي المقابل، تتمدد الحصانات الواسعة لدى الجناة كل يوم، سواء كانوا عسكريين أو مجموعات مسلحة أو مليشيات، وفي وقت أصبح فيه صوت السلاح أعلى من أي صوت آخر .
يهدف التقرير إلى تحليل واقع الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيات في السودان، مع التركيز على أثر نفوذ المليشيات المسلحة واختلالات المنظومة القضائية في إعاقة الوصول إلى العدالة. كما يتناول العقبات القانونية والمؤسسية والأمنية التي تواجه الضحايا في مسارات الإبلاغ والتحقيق والملاحقة القضائية، مع غياب تام لضمانات الحماية وجبر الضرر. ولا يقدم التقرير رصدًا كاملًا لكل الانتهاكات، إنما يركز على التحليل، وما سيرد من حالات فقط لإضفاء شرح أكثر لبعض السياقات.
شبكة إعلاميات
في العام 2010، أسست مجموعة من الصحفيات المهتمات بالقضايا الحقوقية والمهنية والنسوية شبكة إعلاميات، بهدف رفع قدرات الصحفيات في الجوانب الحقوقية والنسوية وتعزيز حماية الصحفيات وترقية أوضاعهن. كما تهدف إلى التشبيك بين الإعلاميات النسويات على المستويين الإقليمي والدولي، مما يسهل عملية تبادل الخبرات والمعلومات، ويسهم في الارتقاء بالعمل الصحفي نحو المهنية، ونشر الوعي بالحقوق القانونية للصحفيات والصحفيين.
كما تدعم الشبكة وصول الإعلاميات السودانيات إلى مراكز القيادة وصنع القرار في المؤسسات الإعلامية المختلفة، وذلك من خلال تمكينهن وبناء قدراتهن مهنيًا، وتسهيل مشاركتهن في الدورات والمؤتمرات الإقليمية والعالمية المتعلقة بتطوير أدواتهن الإعلامية، مع التأكيد على تكافؤ الفرص والمؤهلات بين العضوات.
تعمل الشبكة على الدفاع عن حق النساء بشكل عام، وحق الإعلاميات بشكل خاص، في التعبير عن رأيهن دون عوائق، للوصول إلى إعلام ديمقراطي يعبر عن التنوع والتعدد الثقافي والاجتماعي، وإلى رفع الوعي بأهمية المساواة الكاملة بين الجنسين في الإعلام كمهنة ووسيلة، وإلى أهمية تفعيل دور الإعلام فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان والعدالة النوعية والإنصاف.
تضم الشبكة صحفيات يعملن في مختلف الوسائط الإعلامية، من صحف وإذاعات وقنوات فضائية ومنصات رقمية، وتتميز بتنوع عضويتها جغرافيًا وعمريًا وفكريًا. وتمت إجازة الدستور وانتخاب أول لجنة تنفيذية في العام 2012 بقاعة مركز الألق للخدمات الصحفية.
شبكة إعلاميات من الأجسام المؤسسة لعدد من المبادرات النسوية الداعمة لقيم المساواة والعدالة والسلام، كما ساهمت، مع عدد من المؤسسات الإعلامية المستقلة، في تأسيس منتدى الإعلام السوداني عقب اندلاع الحرب، وهو جسم يضم عددًا من المؤسسات الإعلامية المستقلة.
مقدمة
تعمل الصحفيات السودانيات في بيئة بالغة الخطورة، تتقاطع فيها مخاطر الحرب مع العنف والتمييز القائم على النوع الاجتماعي، وفي ظل غياب تام لأدنى معايير الحماية، وتراجع الضمانات اللازمة لحماية المدنيين ووصول الضحايا إلى العدالة، وفي ظل التضييق على حرية التعبير والإعلام، وصعوبة الوصول إلى المعلومات.
وبسبب عملهن الصحفي ونوعهن الاجتماعي وهشاشة الأوضاع الأمنية، تعرضت الصحفيات السودانيات، منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، للقتل والاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والاعتداءات الجسدية والجنسية، بالإضافة إلى حملات التشهير والترهيب، وتحمل مخاطر النزوح واللجوء.
إن سياق الحرب الحالية في السودان، وانتشار السلاح، وتعدد المليشيات المسلحة، وتآكل الدولة ومؤسساتها، يزيد من خطورة هذه الجرائم، بل يحولها إلى مؤشرات على أزمات أوسع تطال سيادة القانون، وعسكرة طرق الوصول إلى العدالة، وضعف قدرة أجهزة إنفاذ القانون والأجهزة القضائية على تحقيق العدالة ومحاسبة الجناة وإنصاف الضحايا.
العسكرة بعد حرب السودان شملت كل مراحل التقاضي، إذ أصبح من الصعوبة والخطورة فتح بلاغات جنائية في مواجهة المنتهكين ومحاسبتهم. ساعد على ذلك تعدد المليشيات وانتشار السلاح. كما أدى النزوح إلى عدم إمكانية النساء الصحفيات أو أسرهن تدوين بلاغات، بالإضافة إلى العوائق الاجتماعية التي تحول دون اللجوء إلى القضاء، وكذلك الظروف الاقتصادية المتدهورة نتيجة للحرب، التي لا تمكنهن من تحمل التكلفة المادية الباهظة لإجراءات التقاضي، بالإضافة إلى غياب آليات فعالة لحماية الناجيات والشهود.
الحرب رهنت العدالة للسلاح… لا بد أن تكون المساءلة مكونًا أساسيًا للتغيير
لا بد من الإشارة إلى إشكالية عسكرة الإجراءات القضائية، ليس بوصفها مجرد توصيف سياسي، بل باعتبارها قضية تستدعي مواجهتها ورفضها من كل قوى التغيير، ورفض تدخل الجهات العسكرية والأمنية في إجراءات العدالة. وننبه إلى أهمية ضمان خضوع جميع الأطراف للمساءلة، مهما كانت مواقعها أو مدى نفوذها.
فهناك العديد من البلاغات الكيدية دُوّنت ضد صحفيات مستقلات ومهنيات، وذلك بهدف إسكات أقلامهن عن عكس معاناة السودانيين بسبب الحرب، وعكس الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان. وأكدت التقارير الحقوقية والصحفية أن وراء غالبية هذه البلاغات الكثير من العسكريين أو قادة المليشيات أو من يتحالفون معهم.
وتكتسب إشكالية عدم حيادية الأجهزة العدلية أهمية خاصة في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيات، مما يضعف فرص الوصول إلى العدالة وتحقيق الإنصاف. فاستهداف الصحفيات قد يتجاوز العنف الموجّه إليهن إلى مصادرة الحق في حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، ويضعف قدرة الصحافة على توثيق الانتهاكات وكشفها. كما أن غياب المساءلة يكرّس بيئة تسمح بتكرار الانتهاكات.
وترى شبكة إعلاميات أن المساءلة والعدالة يجب أن تكونا مكونًا أساسيًا من أي تغيير أو إصلاح عدلي وقانوني في البلاد، وأن يتم التوافق على ضمانات تحول دون أن تصبح العدالة رهينة للسلاح. ففي مثل هذه الظروف، يصبح التصدي للإفلات من العقاب معركة من أجل استعادة العدالة من نفوذ السلاح والسياسة، وضمان ألا تتحول السلطة الفعلية إلى حصانة غير معلنة من المساءلة.
الملاحقة والتحقيقات والمساءلة
تطالب الشبكة في هذا التقرير بضرورة إشراك الصحفيات والصحفيين في كل عمليات السلام والتفاوض حول مستقبل البلاد، بما يضمن أن يكون هناك سلام قائم على الحريات العامة، والمساءلة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، وحماية الصحفيات والصحفيين، وحرية التعبير، وضمان استقلال ومهنية كل مؤسسات إنفاذ القانون.
كما توصي بإجراء تحقيقات مستقلة في الجرائم التي تم ارتكابها في حق الصحفيات والصحفيين، خاصة التي تم ارتكابها منذ اندلاع الحرب في السودان. فالجرائم التي تم ارتكابها لا تسقط بالتقادم وفقًا للقوانين الدولية، كما يُلزم القانون الدولي الإنساني الدول بملاحقة الجناة في تلك الجرائم.
وفي ظل تآكل مؤسسات الدولة وغياب الإرادة السياسية في محاربة الجناة، تطالب الشبكة بعثة تقصي الحقائق الأممية بإجراء مزيد من التحقيقات في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيات السودانيات، والضغط لتحقيق العدالة وتعويض الصحفيات الناجيات وأسر من فقدن أرواحهن بسبب الحرب، واقتراح آليات عملية وفعالة لتحقيق العدالة والإنصاف
حصار أصوات الحقيقة والأقلام الحرة
منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب في السودان، تم استهداف الصحفيات والصحفيين، ومحاولة حصارهم وإسكات صوتهم. وحسب تقارير سكرتارية الحريات في نقابة الصحفيين السودانيين، خلال الفترة من 15 أبريل 2023 وحتى 30 يونيو 2026، فإن (34) صحفيًا وصحفية تم قتلهم، من بينهم (5) صحفيات، بالإضافة إلى (16) حالة ملاحقة قضائية استهدفت صحفيين وصحفيات، تنوعت بين فتح بلاغات جنائية، وإجراءات تحقيق، ومحاكمات، وإصدار أحكام قضائية، إلى جانب توجيه اتهامات ذات طابع سياسي وأمني في بعض القضايا، بما يعكس اتساع استخدام الأدوات القانونية في تقييد حرية التعبير والعمل الصحفي ، كما كشفت تقارير النقابة عن (367) حالة انتهاك مختلفة ضد الصحفيات والصحفيين
قتل الصحفيات وغياب المحاسبة
فقدت عدد من الصحفيات أرواحهن أثناء تغطية الحرب في السودان. ففي 30 يونيو 2023، تم قتل الصحفية بإذاعة زالنجي، سماهر عبد الشافع. وفي الرابع من أكتوبر 2023، قُتلت الصحفية بشمال دارفور، منى صديق جابر، من قبل قوات الجيش إثر قصف للطيران الحربي. وفي السابع من ديسمبر، في مدينة الخرطوم بحري، قُتلت الصحفية بخيتة آدم مسعود. وفي العاشر من أكتوبر 2023، تم قتل الصحفية حليمة إدريس. وفي الخامس من ديسمبر 2023، تم قتل الصحفية بصحيفة الميدان، حنان آدم، هي وشقيقها، جنوب الجزيرة.
كل تلك الجرائم، ولم تتحقق فيها العدالة، لغياب الإرادة السياسية لدى أطراف الحرب، وغياب التحقيقات المستقلة والشفافة. ولا يزال الجناة يتمتعون بالحرية، وفي ظل ارتكاب مزيد من الجرائم دون حساب أو عقاب.
وفي هذا الجانب، وفي إفادة خاصة بهذا التقرير بهدف إلقاء الضوء على السياق القانوني وإمكانية تحقيق المحاسبة والعدالة، قال عضو المكتب التنفيذي لمحامي الطوارئ، محمد صلاح الدين، إن قتل الصحفي أو الصحفية أثناء النزاع قد يشكل جريمة قتل وفق القانون السوداني، وجريمة حرب وفق القانون الدولي الإنساني إذا كانت الضحية مدنية ومستهدفة بصورة غير مشروعة، وقد يرتقي إلى جريمة ضد الإنسانية إذا كان جزءًا ـ من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين ، وأوضح أن إجراءات المساءلة تبدأ عبر الشرطة والنيابة والقضاء السوداني، مع إمكانية اللجوء إلى بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن السودان، والآليات الأفريقية والدولية المختصة. وفي دارفور، يمكن أن تدخل الجرائم التي تستوفي شروط الاختصاص ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، كما يمكن في بعض الدول بحث الملاحقة بموجب الاختصاص العالمي. وأكد أن المسؤولية الجنائية قد تشمل المنفذ المباشر، ومن أصدر الأمر أو ساعد في الجريمة، والقادة وفق شروط مسؤولية القيادة. واعتبر صلاح الدين أن الوثائق والأدلة أساس لهذه المسارات، خصوصًا التقارير الطبية، وشهادات الوفاة والطب الشرعي، ومحاضر الشرطة والنيابة، والإفادات الرسمية وإفادات الشهود، وسجلات العلاج أو الاحتجاز، إلى جانب الصور والفيديوهات والمراسلات والتهديدات السابقة.
الاعتقال والتعذيب
لم تقتصر الجرائم التي تم ارتكابها تجاه الصحفيات أثناء الحرب على القتل فقط، فقد تعرضت أكثر من (20) صحفية للاعتقال والاستجواب والتعذيب داخل معتقلات أطراف الصراع وحلفائهم، وفقًا لتقارير حقوقية وإفادات حصلت عليها الشبكة. فقد ذكرت لشبكة إعلاميات الصحفية (سبأ، وهو اسم مستعار اختارته لحمايتها) أنها، بعد خروجها من معتقلات تابعة لمليشيا متحالفة مع قوات الدعم السريع في دارفور، حاولت فتح بلاغات بسبب ما أصابها من إعاقة نتيجة للتعذيب أثناء الاعتقال، إلا أنه تم إيقافها واستجوابها وتهديدها بالقتل إذا واصلت مسعاها.
وفي مقابلة صحفية، ذكرت صحفية بشرق السودان، تعرضت لحملة تشهير في وسائل التواصل الاجتماعي، أنها حاولت فتح أكثر من 6 بلاغات في مواجهة الجناة، ولم ينجح مسعاها.
آليات مع ضعف التنفيذ
تظل قضية حماية الصحفيات والصحفيين أثناء النزاعات المسلحة واحدة من القضايا التي دار حولها نقاش مستفيض، وهناك عدد من الجهود الدولية في هذا الجانب، منها خطة الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحفيات والصحفيين ومسألة الإفلات من العقاب:
وقرار مجلس الأمن رقم 2222 بشأن حماية الصحفيات والصحفيين في مناطق النزاعات، والصادر في 27 مايو 2015. إلا أن هناك معوقات تحول دون إنفاذ هذه الآليات، بما يقلل من المخاطر ويزيد من فرص حماية الصحفيات.
وفي هذا الإطار، قال الخبير في القانون الدولي، د. أسامة بابكر أبو راي، لشبكة إعلاميات، إن قواعد القانون الدولي، وما يصدر عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان وحرية الصحافة، تظل، في كثير من الحالات، بحسب رأيه، «قواعد مكتوبة» لا تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي، خصوصًا عندما تتعلق الانتهاكات بدول أو أطراف تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري كبير . وذكر أبو راي أن مقتل الصحفيين يحظى عادة بتغطية واسعة من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، إلا أن الاهتمام بالقضية يتراجع مع مرور الوقت، من دون الوصول، في كثير من الحالات، إلى تحقيقات ومحاسبة واضحة للجهات المسؤولة
وقال إن مقتل الصحفيين في السودان، على وجه الخصوص، يستدعي إجراء تحقيقات مستقلة لتحديد الجهات المسؤولة عن عمليات القتل وتقديم المتورطين إلى العدالة، معتبرًا أن غياب المحاسبة يعزز استمرار الإفلات من العقاب ويجعل العمل الصحفي أكثر خطورة.
تداخل الهويات والعنف المبنى على النوع الاجتماعي تجاه الصحفيات
السياق السوداني المعقد، والتنوع الجغرافي والإثني والعرقي واللغوي، والفوارق الطبقية والاقتصادية، مع ضعف الوعي الحقوقي والاجتماعي، يزيد من خطورة التمييز المبني على هذه الاختلافات. وهذه التقاطعية، في ظل الحرب، زادت تأثيراتها المختلفة على الناس، وأدت إلى زيادة المخاطر واختلافها تجاه الصحفيات.
إذ أوضح تحليل للمخاطر التي تتعرض لها الصحفيات السودانيات ازدياد حجم المخاطر التي تتعرض لها الصحفيات صغيرات السن، والصحفيات من إثنيات ومجموعات قبلية مورس عليها تمييز بسبب إثنيتها أو لغتها أو أصلها الاجتماعي، وكذلك الصحفيات ذوات الإعاقة.
كان لتداخل الهويات والعمر والحالة الاجتماعية والانتماء القبلي والمناطقي تأثيره في حجم الانتهاكات ونوعها، وفرص إفلات الجناة من العقاب. فقد وثقت التقارير حالات زيادة العنف تجاه الصحفيات بدرجات مختلفة ومزدوجة نتيجة للتقاطعية والهوية الجندرية. وفي هذا الجانب، قالت د. منى مجدي فرج، الأستاذة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، في إفادة خاصة بهذا التقرير، إن الانتهاكات المستمرة التي تواجهها الصحفيات السودانيات خلال الحرب تُقرأ من منظور النوع الاجتماعي، في ضوء الانتهاكات التي تتعرض لها الصحفيات على مستوى العالم، ونبّهت إلى تزايد وطأتها في مناطق النزاع ، وأضافت: «هناك بعض التحديات التي تضيف طبقة جديدة إلى التحديات التي يواجهها الصحفيون بشكل عام، وتواجهها النساء الصحفيات بشكل خاص، لا سيما في المجتمعات المحافظة والمغلقة أحيانًا، حيث تعاني النساء من أشكال من التمييز نتيجة ممارستهن مهنة يُنظر إليها المجتمع باعتبارها مهنة رجالية أو حكرًا على الرجال ، وتؤكد د. منى فرج أن جميع هذه التحديات لا بد من قراءتها في سياق المشهد العام، موضحة أن الهدف الأساسي هو دفع الصحفيات إلى الابتعاد عن المهنة، أو حملهن على تناول موضوعات لا صلة لها بالواقع ولا تهتم بأولويات المواطنين وحقوقهم ، وتشير د. منى إلى أن غياب آليات الحماية القانونية وأدوات المساءلة والمحاسبة يسهم في استمرار الانتهاكات، في ظل عدم وجود رادع، موضحة أن مرتكبي هذه الأفعال يفلتون من العقاب، وهي المشكلة الأساسية ، وتؤكد أهمية وضع آليات وتدابير على المستويات الوطنية والمحلية والدولية تضمن المحاسبة وإنصاف الضحايا وتقديم الدعم النفسي، إلى جانب مساهمة المجتمع في مساعدة الناجيات على الاستمرار في عملهن وعدم ترك المهنة
وتروي صحفية في بداية المهنة (تم حجب اسمها لحمايتها) تجربتها في الاستجواب في نقاط التفتيش في طريقها إلى منزلها، والطريقة التي تتم بها معاملتها كامرأة صحفية وشابة ومن إثنية محددة. وقالت: «لم يكتفِ الضابط في نقطة التفتيش بالأسئلة الروتينية التي تُوجَّه إلى العابرين من هذه النقطة، بل انتقل بنظراته إلى جسدي، وتصفح هاتفي وعلّق على صوري ،وأضافت: «لم يكتفِ بذلك، بل سألني أسئلة شخصية تتعلق بعلاقاتي الخاصة وعملي وأسرتي»، معبرة عن استيائها وإرهاقها بسبب تلك المواقف، الأمر الذي جعلها تتردد كثيرًا قبل الخروج من المنزل.
وذكرت صحفية أخرى تعرضت للاعتقال، في مقابلة مع شبكة إعلاميات، الإساءات والكلمات العنصرية التي وُجّهت لها كصحفية وامرأة ومن إثنية محددة.
من الواضح التأثير القوي للتقاطعية الجندرية في إمكانية الوصول إلى العدالة، لتأثيراتها الكبيرة على قدرة النساء الصحفيات على الإبلاغ عن الجرائم المرتكبة ضدهن، بالإضافة إلى العوائق المركبة في الوصول إلى القضاء، لما تخلقه التقاطعية من حواجز إضافية تحول دون تحقيق العدالة والإنصاف ومحاسبة الجناة.
وفي السودان، في ظل الحرب الحالية وتسييس وعسكرة سبل الوصول إلى العدالة، يجب الانتباه إلى تلك العوائق عند تحليل هذا الواقع، ولدى إيجاد أو تعزيز آليات الحماية وسبل التقاضي والإنصاف.
التوصيات :-
إيقاف الحرب، ونزع سلاح المليشيات وتجفيفها، وضمان قيام جيش مهني واحد
ملاحقة ومحاسبة مرتكبي الجرائم ضد الصحفيات والصحفيين، وتحقيق العدالة والإنصاف للناجيات والناجين منهم
إصلاح الأجهزة العدلية وضمان حياديتها ومهنيتها واستقلالها، ومنع تدخل أي أجهزة أخرى أو جهات في عملها
إيجاد ضمانات تجعل المحاسبة والمساءلة مكونًا أساسيًا من أي تغيير قادم أو أي إصلاح عدلي وقانوني
إشراك الصحفيات والصحفيين في كل عمليات السلام والتفاوض حول مستقبل البلاد، بما يضمن أن يكون هناك سلام قائم على الحريات العامة، والمساءلة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب

