كمبالا – ملاك بلة
ماذا يحدث للإنسان عندما ينجو من الحرب، لكنه لا يستطيع أن ينجو من ذاكرتها؟ وكيف يمكن للفن أن يحكي عن وطن فقد ألوانه، وعن أشخاص وجدوا أنفسهم بين مكان تركوه خلفهم ومكان جديد لم يتمكنوا بعد من الشعور بالانتماء إليه؟
من هذه الأسئلة ينطلق الفنان السوداني حمزة تيراب في معرضه «الانتماء المُسكت»، الذي افتُتح في كمبالا في 3 أكتوبر 2026م، ويستمر حتى نهاية الشهر. يضم المعرض مجموعة من الأعمال التجريدية والواقعية التي يقول الفنان إنها تعكس وتوثق الانتهاكات المرتبطة بالحرب في السودان، فيما يفتح عنوانه مساحة للتأمل في معنى الانتماء حين يصبح الإنسان بعيدًا عن وطنه، وعن جسده، وحتى عن ذاكرته.
«الحرب سرقت الألوان»
عندما يتحدث تيراب عن معرضه، يبدأ من اللون. يقول إن «الانتماء المُسكت» هو محاولة لتلوين فترة يراها بلا لون. فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل، أصبحت الحياة بالنسبة إليه أقرب إلى الأبيض والأسود والأحمر، ولذلك جاءت نحو 90% من اللوحات بهذه الألوان.
لكن الأبيض والأسود، في رؤيته، ليسا مجرد اختيار بصري. يشرح الفنان أن كل شخص موجود في منطقة جغرافية معينة، وله مصالحه السياسية والاقتصادية، قد يرى أحد طرفي الصراع بوصفه «الأبيض»، أي صاحب الحق، فيما يرى الطرف الآخر «الأسود»، أي صاحب الباطل. وفي الجهة المقابلة، قد تتبدل الألوان تمامًا، فيصبح من كان أبيض في رواية أسود في الرواية الأخرى.
هكذا تصبح اللوحة، بالنسبة إليه، مساحة لروايتين متناقضتين، لا لحقيقة واحدة يحددها اللون.
أما الأحمر، فيحمل المعنى الأكثر قسوة؛ فهو، كما يصفه تيراب، ثمن هذه الروايات المتصارعة: الخراب والدمار والتهجير والانكسار، ودماء الضحايا الذين دفعوا ثمن الحرب.
الرمادي الذي اختار الفنان ألا يراه
وسط الأبيض والأسود والأحمر، توجد مساحة أخرى في أعمال تيراب: الفراغ.
يقول إنه يتخيل المساحات البيضاء الكبيرة داخل اللوحات باللون الرمادي، ويربطها بالأشخاص الذين لا يريدون الحرب ولا ينتمون إلى طرفيها.
لكن الفنان تعمّد ألا يرسم الرمادي.
بالنسبة إليه، هؤلاء يمثلون صوتًا محايدًا لا يجد المساحة نفسها التي يجدها صوت السلاح. ولذلك يصبح غياب اللون نفسه جزءًا من الفكرة؛ فالرمادي موجود، لكنه غير مرئي.
يقول تيراب إنه اختار ألا يلوّن هذا الرمادي عن قصد، لأن الحياد في زمن الحرب يصبح، في تصوره، لونًا غير مرئي.
ومن هنا يتشكل معنى «الانتماء المُسكت» كما يراه الفنان: صراع على الانتماء والوطنية بين روايتين متقابلتين، فيما يدفع آخرون ثمن الصراع، وتبقى أصواتهم خارج المشهد.
المرأة.. الجسد الذي يحمل ما لا يُقال
في الجزء الأكبر من أعمال المعرض، يضع تيراب المرأة في مركز الصورة.
ويقول إن لوحاته تركز على النساء بوصفهن من أكثر الفئات التي يراها تأثرًا بالحرب، مستخدمًا الأبيض والأسود ولون الجسد لتوثيق ما يصفه بالانتهاكات التي تعرضت لها النساء.
تظهر في أعماله أجساد مرهقة وثياب ممزقة، لتصبح اللوحة وسيلة للحديث عن أثر العنف على الجسد والذاكرة، وليس فقط عن الحرب بوصفها حدثًا عسكريًا.
وفي حديثه عن هذه الأعمال، يشير تيراب إلى أن العنف، في تجربته الفنية، لا ينتهي بالضرورة عند خروج المرأة من السودان. فهو يتحدث عن أشكال من الاستغلال المادي والجسدي والاعتداءات التي يقول إنها قد تستمر حتى في سياقات اللجوء، كما يشير إلى حالات اغتصاب يصفها بأنها تُستخدم كسلاح حرب، وما قد ينتج عنها من حمل غير مرغوب فيه وأطفال بلا أوراق.
هذه التفاصيل لا يقدمها الفنان باعتبارها خلفية منفصلة عن المعرض، وإنما بوصفها جزءًا من القصة التي تحاول أجساد النساء في لوحاته روايتها.
ولهذا تصبح عبارة «الانتماء المُسكت» ذات معنى مختلف حين يتعلق الأمر بالمرأة.
فالفنان يتحدث عن امرأة قد تحمل تجربة مؤلمة لا تستطيع، في بعض الأحيان، الحديث عنها حتى مع أسرتها. ويصبح فقدان الانتماء هنا أعمق من فقدان مكان جغرافي؛ إنه، في وصفه، فقدان المرأة لإحساسها بالانتماء إلى جسدها نفسه.
(نجونا من الرصاص.. لكن الحرب لم تنتهِ)
إذا كانت اللوحات تتحدث عن الحرب وآثارها على الجسد، فإن تجربة المنفى تحتل مساحة أخرى في المعرض.
ويصف تيراب الفيلم المرتبط بالمعرض بأنه «قلب المعرض»، لأنه ينتقل إلى ما بعد لحظة النجاة.
يقول: “نحن نجونا من الرصاص، لكن دخلنا في حرب مقاومة أخرى يومية، وهي ما لا يراها أحد”.
وفي كمبالا، يرى الفنان أن هذه المقاومة يمكن قراءتها عبر ثلاثة مستويات.
أولها مقاومة الذاكرة. فالإنسان، بحسب وصفه، قد يصل إلى مكان آمن، لكن ذاكرته لا تلجأ معه. يظل البيت حاضرًا، ويظل المفتاح الذي يحمله معه مرتبطًا بمكان تركه خلفه. لذلك يعيش الإنسان مقاومة مزدوجة: يحاول ألا ينسى، وفي الوقت نفسه يحاول أن ينسى بما يكفي حتى يستطيع مواصلة حياته.
أما المستوى الثاني فهو مقاومة المناخ والغرابة.فجأة يجد اللاجئ نفسه في طقس مختلف، وسط لغة وطعام وناس وبيئة لا تشبه ما اعتاده. قد يصبح آمنًا جسديًا، لكنه يشعر، كما يقول تيراب، بأنه غريب روحيًا.
وهنا تظهر حالة «صدمة الأمان»: لا انتماء كامل للمكان الجديد، ولا قدرة على العودة إلى المكان القديم.
أما المستوى الثالث فهو مقاومة البقاء. بعد النجاة تبدأ معركة أخرى مرتبطة بالعمل والإيجار والطعام والشراب والحفاظ على الكرامة. وبالنسبة إلى الفنان، لا يعود التحدي محصورًا في إثبات موهبته؛ إذ يصبح مطالبًا أولًا بإثبات أنه قادر على الاستمرار في الحياة.
أجساد بلا ملامح وبيوت معلقة
لهذا، يقول تيراب، تظهر في أعماله أجساد بلا ملامح، وثياب ممزقة، وحقائب سفر وبيوت معلقة في الهواء. ليست هذه العناصر مجرد تفاصيل بصرية، وإنما انعكاسات لتجربة الإنسان الذي يحمل مكانه القديم معه، بينما يحاول أن يجد مكانًا جديدًا لنفسه.
فالبيت قد يتحول من مكان مادي إلى ذاكرة، والحقيبة تصبح اختصارًا لحياة اضطر صاحبها إلى حملها معه، والجسد يصبح مساحة تحمل آثار تجربة لا تنتهي بمجرد عبور الحدود.
وفي هذا السياق، يصبح عنوان المعرض سؤالًا مفتوحًا أكثر منه إجابة: ماذا يحدث للانتماء عندما لا يعود الإنسان قادرًا على العودة، ولا يشعر في الوقت نفسه بأنه أصبح جزءًا كاملًا من المكان الجديد؟
(لا أريد شفقة)
لا يريد تيراب أن يغادر الزائر المعرض وهو يشعر بالشفقة. يقول إن رسالته الأساسية هي أن يخرج الزائر بسؤال عن معنى فقدان الانتماء.
للسوداني، يريد الفنان أن يكون هذا الانتماء المسكوت عنه مسموعًا، وأن تصبح الغربة تجربة محسوسة لا مجرد كلمة.
أما لغير السوداني، فيريد أن يوضح أن السودانيين الموجودين في المنفى ليسوا، في نظره، أشخاصًا غادروا وطنهم بحثًا عن حياة أفضل، بل أشخاصًا يبحثون عن حياة آمنة، ويحاولون في مكان جديد أن يصنعوا انتماءً من ذاكرة قديمة.
من المعرض إلى الحوار
ولا يقف «الانتماء المُسكت» عند اللوحات وحدها. فقد تضمن افتتاح المعرض في كمبالا حلقة نقاش بعنوان «الهجرة والانتماء»، شارك فيها إيناس لطيف وحمزة تيراب وتوحيد تاباسا، وأدارها الصادق محمد.
كما يتواصل البرنامج المصاحب في 10 أكتوبر من خلال ورشة لصناعة المجلات الصغيرة «Zine»، بتيسير غلوريا كيكونكو وعمار جمال، وتستجيب للمعرض من خلال التأملات والقصص والصور والتوثيق.
وفي 14 أكتوبر، يتضمن البرنامج عرض فيلم «الخرطوم (2025)»، وهو فيلم وثائقي هجين تعاوني يجمع خمس قصص من السودان، ويتنقل بين الأحلام المتحركة وثورات الشوارع وتجربة الحرب، متتبعًا رحلات من الخرطوم إلى المنفى في شرق إفريقيا.
وفي نهاية حديثه عن المعرض، يعود تيراب مرة أخرى إلى الألوان.
يقول إن الحرب سرقت ألوان السودان، وإنه لا يستطيع أن يرسم وطنًا ينزف بالأخضر والأصفر. بالنسبة إليه، ألوان الحرب الآن هي الأبيض والأسود والأحمر.
أما بقية الألوان، فيبقى ظهورها مرتبطًا بالمستقبل.
(عندما يعود السلام، ستعود الألوان)

